الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

205

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في الثوبين المشتبهين فلا إشكال في وجوب النية فبطلان التالي واضح البطلان وإن لم تكن عبادة فالملازمة المذكورة ظاهر الفساد لعدم وجوب النية في غير العبادة إذ ليس المقصود منه إلا حصول الفعل لا خصوص الطاعة والانقياد كما هو قضية إطلاق الأمر فإنه إنما يفيد وجوب أداء متعلقه والإتيان به لا خصوص الطاعة المتوقفة على النية غاية الأمر أن لا يترتب عليه ثواب من دونها ومنها أنه لو وجب المقدمة لكان تارك الوضوء على شاطئ النهي مستحق العقوبة واحدة وإذا كان بعيدا عن الماء كان مستحقا لعقوبات متعددة كثيرة على حسب تعدد المقدمات الموصلة إلى الماء مع أن الاعتبار قاض بعكسه والجواب عنه ظاهر بملاحظة ما مر من عدم استحقاق العقوبة على ترك المقدمة وإنما يكون الواجب ترك في الأول امتنع من جهة تهاونه فيه مع سهولة أدائه ومع الغض عن ذلك فأي مانع من أن يكون عقوبة التارك للوضوء على شاطئ النهر أقوى كيفية من الآخر وإن كان عقوبة الآخر أكثر كمية نظرا إلى اختلاف الحال في العقوبة بحسب صعوبة الفعل وسهولته فبعد ملاحظة العقوبة المترتبة على كل منها وموازنة أحدهما بالآخر يكون عقوبة الأول أعظم على أنه يمكن المعارضة بأنه لو لم يجب المقدمة لكان ثواب الآتي بالوضوء على شاطئ النهر مماثلا لثواب من أتى به مع البعد عن الماء بعد تحمل مشاق عظيمة لتحصيله مع أن العقل حاكم قطعا بزيادة الثواب في الثاني وليس ذلك إلا بوجوب المقدمة ويمكن دفع ذلك بأنه إن كان تحمله لمشاق تلك المقدمات لا لأجل إيصالها إلى الطاعة بل لأغراض نفسانية فلا ريب في عدم استحقاقه زيادة المثوبة لأجلها وإن كان من جهة الإيصال إلى الطاعة فلا مانع من القول بترتب الثواب حينئذ على المقدمات ولو على القول بعدم وجوبها نظرا إلى رجحان الجهة المذكورة فيصح قصد الطاعة بفعل المقدمة من جهة التوصل بها إلى مطلوب الشارع فتصير راجحة عبادة بالنية كما هو الحال في المباحات إذا أتي بها لمقاصد راجحة كما مرت إليه الإشارة [ في حجج القائلين بوجوب المقدمة وهو المختار . ] [ الدليل الأول . ] قوله لو لم يقتض الوجوب إلى آخره هذه الحجة ذكرها العلامة في التهذيب والنهاية وقد حكيت عن الرازي في المحصول قيل وكأنها مأخوذة من كلام أبي الحسين البصري قوله وحينئذ فإن بقي ذلك الواجب واجبا إلى آخره يعني أنه إذا تحقق منه ترك المقدمة نظرا إلى جواز تركها لزم أحد المحذورين فإنه إذا جاز له تركها لم يكن هناك مانع من إقدامه عليه فإنه إذا قدم عليه حينئذ يترتب عليه المفسدة المذكورة وليس غرض المستدل تفريع تلك المفسدة على مجرد جواز الترك ابتداء حتى يرد عليه ما قيل من أن المفسدة المذكورة إنما يتفرع على وقوع الترك لا على جوازه فيجوز أن يكون جائزا غير واقع فلا وجه لتفريعه على مجرد جواز الترك وقد يورد عليه حينئذ بأن المفسدة المذكورة إذا تفرعت على الإقدام على ترك المقدمة جرت تلك المفسدة بعينها في صورة عدم جواز الإقدام على تركها أيضا فإن ترك المقدمة لا يتوقف على جوازه شرعا بل على إمكانه وهو حاصل في المقام نظرا إلى قدرة المكلف على الفعل والترك فلا يستفاد منه ما هو المقصود من تفريع المحال المذكور من جهة ذلك على جواز الترك حتى يقال بامتناعه ويمكن دفعه بأن المحال المذكور إنما يتفرع حسبما ادعاه المستدل على ترك المقدمة على سبيل الجواز لا على مجرد ترك المقدمة فليس غرض المستدل تفريع ترك المقدمة على جواز تركها في الشرع وتفريع المحال المذكور على مجرد ترك المقدمة ليقال عليه إن حصول الترك أمر ممكن على فرض عدم جوازه في الشرع أيضا فيكون ذلك شبهة واردة على القولين غير متفرعة على جواز الترك فإن قلت أن المفسدة المذكورة إذا ترتب على أمرين أعني حصول الترك وجوازه شرعا لم يفد ذلك خصوص امتناع الثاني إذ قد يكون متفرعة على الأول فلا يتم الاستدلال قلت لما كان الإقدام على ترك المقدمة أمرا ممكنا قطعا لم يمكن استناد المحال المذكور إليه فيكون متفرعا على الآخر كما هو الملحوظ في الاستدلال وقد يورد في المقام بأنه وإن كان ملحوظ المستدل تفريع المحال المذكور على جواز ترك المقدمة ليثبت بذلك امتناعه إلا أن ذلك بعينه جار على القول بعدم جوازه أيضا فإنه إذا ترك المقدمة عصيانا فإما أن يبقى معه التكليف بذي المقدمة أو لا إلى آخر ما ذكر فلا مدخلية لجواز ترك المقدمة وعدمه في خروج ذيها من الوجوب وعدمه فما يجاب به من ذلك في الفرض المذكور فهو الجواب عنه في الصورة الأخرى أيضا ويمكن دفعه بأنه لا استحالة حينئذ في اللازم لإمكان القول باختيار كل من الوجهين المذكورين أما الأول فإنه لو قيل حينئذ بسقوط الواجب لم يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا للفرق بين سقوط الواجب بعصيان الأمر وسقوطه من دون عصيان ألا ترى أن من ترك الواجب في وقته قد سقط عنه وجوبه بعد مضي الوقت وليس فيه خروج الواجب عن كونه واجبا فكذا في المقام فإن من ترك المقدمة فقد عصى الأمر في الترك المذكور من جهة أدائه إلى ترك ذي المقدمة فيكون مخالفة وعصيانا للأمرين لإناطة عصيان الأول بالثاني بخلاف ما لو قلنا بعدم عصيانه من جهة ترك المقدمة لا أصالة ولا أداء فيلزم حينئذ سقوط الواجب من غير عصيان وهو ما ذكر من خروج الواجب عن كونه واجبا وقد يقال إنه كما يمكن القول بحصول العصيان بالنسبة إلى نفس الواجب بترك مقدمته بناء على وجوب المقدمة فأي مانع من القول بحصول العصيان بالنسبة إليه على القول بعدم وجوبها أيضا فإن مخالفة الأمر كما يحصل بتركه كذا يحصل بإقدامه بعد توجه الأمر إليه على ما يستحيل معه الإتيان به وإن بقي وقت الفعل وأنت خبير بأنه إن كان الإقدام على ذلك الأمر من حيث كونه مؤديا إلى ترك الواجب محرما عند الأمر كما هو ظاهر في الفرض المذكور فذلك بعينه مفاد وجوب المقدمة بالمعنى الذي قررناه وإن لم يكن محرما عنده ولا ممنوعا منه من الجهة المذكورة أيضا فلا معنى لحصول العصيان بالإقدام عليه وأما الثاني فلأنه لا مانع من القول ببقاء التكليف وما قيل من لزوم التكليف بالمحال مدفوع بأنه لا مانع منه في بالمقام فإنه إنما يقبح التكليف بالمحال ابتداء من قبل المكلف وأما إذا كان عن سوء اختيار المكلف فلا كما هو الحال فيمن دخل متعمدا إلى المكان المغصوب